
في سياق النقاش المتصاعد حول تفعيل أدوار الجماعات الترابية والتنزيل الأمثل لمقتضيات القانون التنظيمي 113.14، يبرز ملف التدبير المفوض كأحد أكثر القضايا إثارة للجدل داخل تدبير الشأن المحلي، خصوصاً مع اتساع رقعة تفويض الخدمات العمومية لشركات خاصة، وما يرافق ذلك من أسئلة حول الحكامة وجودة الخدمات ونجاعة صرف المال العام.
فبعد أن رسّخ التدبير المفوض حضوره في قطاع النظافة، وما رافقه من رصد ميزانيات ضخمة تُقدَّر بالملايير، تتكرر في عدد من الجماعات نفس الإشكالات المرتبطة بجودة الخدمات، واحتجاجات العمال، وتذمر الساكنة من ضعف الأداء، إلى جانب صراعات متكررة حول تنزيل بنود دفاتر التحملات بين الأطراف المتعاقدة.
ومع توسع هذا النموذج ليشمل مجالات أخرى أكثر حساسية، من قبيل تهيئة الطرق، وإنجاز شبكات التطهير السائل، وهيكلة الأحياء، يطرح ذلك تساؤلات حول قدرة بعض المجالس المنتخبة على تدبير هذه القطاعات بشكل مباشر، أو اللجوء المتزايد إلى التفويض كخيار أساسي يثقل ميزانيات الجماعات دون ضمان دائم لنجاعة التنفيذ.
وفي المقابل، يرى متتبعون أن هذه الصفقات العمومية تستنزف موارد مالية مهمة من ميزانيات الجماعات الترابية، في وقت لا يزال فيه ضعف تحصيل الضرائب وتراكم المتأخرات يشكلان عائقاً أمام تحقيق توازن مالي فعّال، ما يفتح الباب أمام اختلالات في الأولويات التنموية.
كما يثير هذا النموذج إشكاليات مرتبطة بضعف آليات المراقبة والتتبع، حيث يجد عدد من أعضاء المجالس أنفسهم بعيدين عن تقييم الأداء الفعلي للشركات المفوض لها، في ظل غياب معطيات دقيقة حول مدى التزامها ببنود العقود، وتحول النقاش أحياناً إلى تبادل للاتهامات بين المنتخبين والفاعلين الخواص عند كل تعثر أو احتجاج.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش حول ضرورة إعادة النظر في نمط تدبير بعض المرافق العمومية، والبحث عن نماذج أكثر نجاعة وشفافية، قادرة على تحقيق قيمة مضافة حقيقية في تدبير الشأن المحلي، وتوجيه المال العام نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة، بعيداً عن كلفة التدبير المفوض التي أصبحت محل نقاش واسع حول الجدوى والفعالية.



