
دخلت مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقلت من مجرد جس نبض مواقف الأحزاب إلى مفاوضات فعلية حول طبيعة الأغلبية المقبلة وتركيبتها، وحول التوازنات التي ستحدد شكل الحكومة ومواقع المسؤولية داخلها.
ومنذ انطلاق المشاورات، حرصت المنصوري على فتح قنوات التواصل مع مختلف الأحزاب السياسية، في محاولة لاستكشاف مواقفها من المشاركة في الحكومة المقبلة، وحدود استعدادها للدخول في ائتلاف جديد. وقد شكلت اللقاءات مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وغيرها من الأحزاب، بداية لمسار تفاوضي يبدو أنه سيكون طويلاً ودقيقاً، بالنظر إلى تعدد الحسابات السياسية المرتبطة بتشكيل الأغلبية.
لكن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز بكثير اللقاءات الرسمية والتصريحات المقتضبة التي أعقبتها. فمع تقدم المشاورات، بدأ النقاش ينتقل تدريجياً من سؤال “من سيدخل الحكومة؟” إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بحجم حضور كل حزب وطبيعة الحقائب التي يمكن أن يحصل عليها، فضلاً عن المواقع المؤسساتية الأخرى التي قد تصبح جزءاً من التوافقات السياسية.
وفي قلب هذه المفاوضات توجد قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، التي شكلت لجنة مصغرة لتدبير المشاورات إلى جانب المنصوري، وتضم أسماء بارزة من الحزب. ويعكس هذا الترتيب حجم الملفات التي أصبحت مطروحة على طاولة التفاوض، خصوصاً أن تشكيل الحكومة لا يتعلق فقط بتجميع عدد كاف من الأحزاب لتأمين الأغلبية البرلمانية، وإنما يتعلق أيضاً ببناء انسجام سياسي يسمح للحكومة بالاشتغال وفق برنامج موحد.
وتبدو مسألة توزيع الحقائب من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية. فالأحزاب التي تفاوض من أجل المشاركة لا تنظر بالضرورة إلى عدد المناصب بقدر ما تهتم بطبيعة القطاعات التي ستتولى تدبيرها، ومدى انسجامها مع أولوياتها وبرامجها الانتخابية. ولذلك فإن أي تفاهم نهائي لن يكون مجرد عملية حسابية مرتبطة بعدد المقاعد البرلمانية، بل سيكون نتيجة لمفاوضات دقيقة حول التوازن بين مكونات الأغلبية.
وفي موازاة ذلك، دخلت رئاسة مجلس النواب ضمن الحسابات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، باعتبارها واحدة من أهم المواقع التي تحتاج إلى توافق داخل الأغلبية. وهو ما يجعل مفاوضات تشكيل الحكومة مرتبطة بشكل مباشر أيضاً بإعادة ترتيب المشهد داخل المؤسسة التشريعية.
أما أحزاب المعارضة، فتبدو بدورها بصدد تثبيت مواقعها في الخريطة السياسية الجديدة. وقد اختارت بعض القوى السياسية التوجه نحو المعارضة، وهو ما يعني أن المشهد البرلماني المقبل قد يشهد اصطفافات مختلفة عن تلك التي عرفتها المرحلة السابقة، مع بروز توازنات جديدة بين الأغلبية والمعارضة.
وتكشف الجولة الثانية من المشاورات أن مرحلة تبادل المواقف العامة بدأت تقترب من نهايتها، وأن الأطراف السياسية أصبحت مطالبة بتقديم مواقف أكثر وضوحاً بشأن المشاركة وشروطها. كما أن انتقال الأحزاب إلى تفويض قياداتها للتفاوض يعكس دخول العملية مرحلة أكثر جدية، بعدما كانت اللقاءات الأولى مخصصة أساساً لاستكشاف المواقف.
ومع ذلك، لا تزال أجزاء مهمة من الصورة غير محسومة، خصوصاً ما يتعلق بالأسماء المرشحة للاستوزار، وتوزيع الحقائب، وشكل الأغلبية النهائية، ورئاسة مجلس النواب. وما يتم تداوله في هذا الشأن يظل، في جزء كبير منه، ضمن دائرة التسريبات والتقديرات الصحفية، إلى حين صدور قرارات رسمية.
وبين التصريحات العلنية والمفاوضات المغلقة، تبدو المنصوري أمام مهمة دقيقة تتمثل في جمع مكونات سياسية متعددة داخل أغلبية واحدة، مع الحفاظ على توازنات داخلية تسمح للحكومة المقبلة بالعمل بانسجام. ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المشاورات ستقود سريعاً إلى اتفاق سياسي أم أن مفاوضات الحقائب والمواقع ستطيل عمر التفاوض.
وفي النهاية، فإن كواليس مشاورات المنصوري لا تختزل في أسماء الوزراء أو عدد الحقائب، وإنما تتعلق أساساً بإعادة رسم خريطة التحالفات السياسية للمرحلة المقبلة. وبينما تحاول الأحزاب تعظيم حضورها داخل الحكومة والمؤسسات، تسعى المنصوري إلى الوصول إلى صيغة تجمع بين الأغلبية البرلمانية والانسجام السياسي والقدرة على تنفيذ برنامج حكومي واضح. أما الشكل النهائي لهذه المعادلة، فسيظل رهيناً بما ستسفر عنه المفاوضات الأخيرة وما ستعلنه القيادة السياسية بشكل رسمي.



