الرئيسيةسياسة

مشاورات تشكيل الحكومة.. “البام” يمسك بخيوط التحالف ويؤجل كشف أوراقه

تدخل مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة أسبوعها الثاني، في وقت لا تزال فيه هوية التحالف الذي سيقود المرحلة المقبلة غير محسومة، وسط حرص حزب الأصالة والمعاصرة على الإبقاء على مختلف الخيارات السياسية مفتوحة إلى حين اتضاح مواقف الأحزاب المعنية بالمشاركة في الأغلبية.

ومنذ انطلاق المشاورات، تعامل حزب الأصالة والمعاصرة مع عملية تشكيل الأغلبية بمنطق يقوم على المرونة وتعدد البدائل، إذ لم يعلن بشكل نهائي عن تركيبة محددة، في انتظار استكمال اللقاءات مع مختلف القوى السياسية وقياس استعدادها للمشاركة وشروطها المرتبطة بالحضور داخل الحكومة المقبلة.

وتتزامن هذه الدينامية مع تباين واضح في مواقف الأحزاب الممثلة في البرلمان. فبينما اختارت بعض القوى التوجه نحو المعارضة، لا تزال أحزاب أخرى تدرس موقعها في المرحلة المقبلة، وهو ما يجعل المشاورات مفتوحة على أكثر من صيغة للتحالف، ويمنح الحزب المتصدر للانتخابات هامشا واسعا لاختيار شركائه.

ويبدو أن المعادلة العددية داخل مجلس النواب تشكل أحد أبرز محددات هذه المفاوضات، بعدما أفرزت الانتخابات التشريعية خريطة سياسية متعددة المكونات. ويحتاج الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر النتائج بـ97 مقعدا، إلى تحالف مع عدد من الأحزاب للوصول إلى الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.

وفي هذا السياق، يظل حزب الاستقلال أحد أبرز مفاتيح تشكيل الأغلبية، بالنظر إلى وزنه البرلماني وموقعه داخل الخريطة السياسية الجديدة. غير أن تعدد الصيغ الحسابية الممكنة يجعل المفاوضات لا تقتصر على طرف واحد، خصوصا مع إمكانية الاستعانة بأحزاب أخرى لاستكمال الأغلبية وتأمين قاعدة برلمانية مريحة للحكومة.

ويحافظ التجمع الوطني للأحرار بدوره على موقع مهم في الحسابات السياسية، رغم المؤشرات المرتبطة بإمكانية انتقاله إلى المعارضة. فمشاركة الحزب في أي صيغة حكومية من شأنها أن تعيد ترتيب موازين الأغلبية، وتوفر للأصالة والمعاصرة خيارا إضافيا في مواجهة باقي الشركاء المحتملين.

وتبرز أهمية هذا المعطى في كون المشاورات لا ترتبط فقط بتأمين العدد الكافي من المقاعد، وإنما تشمل أيضا شروط المشاركة وتوزيع المسؤوليات الحكومية. فكلما تعددت الخيارات المتاحة أمام رئيسة الحكومة المعينة، أصبحت عملية التفاوض أكثر مرونة، وتراجعت إمكانية ارتباط تشكيل الحكومة بمسار واحد أو بحزب محدد.

وفي المقابل، يبدو أن الأحزاب المرشحة للمشاركة في الأغلبية تدخل المفاوضات وهي مطالبة بالموازنة بين حجم تمثيليتها البرلمانية وبين طبيعة المطالب التي يمكن طرحها خلال النقاش حول هندسة الحكومة. ولن يكون عدد المقاعد العامل الوحيد المحدد لموقع كل حزب، إذ ستدخل في المعادلة أيضا طبيعة القطاعات الحكومية وأهمية الحقائب ومدى الانسجام بين مكونات الائتلاف.

وتشير وتيرة المشاورات إلى أن الحسم في التركيبة الحكومية يحتاج إلى المرور عبر أكثر من مرحلة، تبدأ بتحديد مكونات الأغلبية، ثم الاتفاق على الخطوط الكبرى للبرنامج الحكومي، قبل الانتقال إلى توزيع المسؤوليات وتحديد الأسماء المقترحة للاستوزار.

كما أن اتساع دائرة الخيارات أمام الأصالة والمعاصرة يمنحه إمكانية بناء أغلبية وفق معادلة تجمع بين القوة العددية والانسجام السياسي. فالأغلبية الواسعة قد توفر للحكومة هامشا أكبر داخل البرلمان، لكنها قد تفرض في المقابل آليات أكثر تعقيدا لتنسيق المواقف بين مكوناتها، بينما يمكن لائتلاف محدود أن يكون أكثر وضوحا من حيث المسؤولية السياسية، مع احتفاظه بهامش برلماني أقل.

وفي الوقت نفسه، يساهم انتقال بعض الأحزاب إلى المعارضة في إعادة رسم الخريطة السياسية داخل البرلمان. فكل حزب يحسم موقعه خارج الحكومة يضيف إلى حجم المعارضة، ويؤثر في طبيعة التوازنات التي ستنشأ بين الأغلبية والمعارضة خلال الولاية التشريعية المقبلة.

وبذلك، لا تبدو مشاورات تشكيل الحكومة مجرد عملية حسابية لتجميع 198 مقعدا، وإنما مسارا سياسيا لإعادة ترتيب الخريطة الحزبية التي أفرزتها الانتخابات، وتحديد طبيعة الائتلاف الذي سيحمل المسؤولية التنفيذية خلال السنوات المقبلة.

ومع استمرار اللقاءات، يظل حزب الأصالة والمعاصرة أمام أكثر من خيار، فيما تتجه الأنظار إلى مواقف الأحزاب التي لم تحسم نهائيا موقعها، وإلى مدى قدرة المشاورات على إنتاج أغلبية متماسكة من حيث العدد والبرنامج والانسجام السياسي.

ويبدو أن تأجيل الحسم في هوية الحلفاء لا يعني بالضرورة غياب تصور للتركيبة المقبلة، بقدر ما يعكس رغبة في استثمار تعدد الخيارات المتاحة قبل الانتقال إلى المرحلة النهائية من المفاوضات. وفي انتظار اتضاح الصورة، تبقى جميع الصيغ الممكنة مطروحة، إلى أن تفرز المشاورات تحالفا نهائيا قادرا على تشكيل الحكومة وتأمين سندها داخل البرلمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى