افتتاحيةالرئيسية

سقوط الكبار… حين تصل يد العدالة إلى ملفات تبديد المال العام

لم يعد ملف محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد شعارات تُرفع في المناسبات الرسمية أو عناوين للاستهلاك السياسي، بل أصبح مساراً قضائياً تترجمه الأحكام الصادرة في حق مسؤولين ومنتخبين تورطوا في قضايا مرتبطة بتبديد واختلاس المال العام. وفي هذا السياق، يأتي الحكم الصادر في حق محمد مبديع، الوزير الحركي السابق، بالسجن النافذ لمدة 13 سنة وغرامة مالية قدرها 30 مليون درهم، ليعيد النقاش بقوة حول واقع تدبير الشأن العام وحدود الإفلات من العقاب.

القضية، التي تفجرت على خلفية اختلالات مالية وتلاعبات مرتبطة بصفقات جماعة الفقيه بنصالح، ليست مجرد ملف قضائي عابر، بل نموذج صارخ لما يمكن أن تفرزه سنوات من ضعف المراقبة والتدبير غير الرشيد للمال العام. فالتقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية كشفت، بحسب المعطيات المتداولة، خروقات خطيرة همّت صفقات التأهيل الحضري، وصفقات الدراسات والأشغال، في مشاريع كان يفترض أن تخدم التنمية المحلية وتحسن ظروف عيش المواطنين، قبل أن تتحول إلى موضوع مساءلة قضائية ثقيلة.

إن أهمية هذا الحكم لا تكمن فقط في العقوبة الصادرة، بل في الرسائل السياسية والقانونية التي يحملها، خاصة في ظل تصاعد مطالب الرأي العام بتخليق الحياة العامة وتشديد المراقبة على تدبير الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية. فالمواطن الذي يعاني يومياً من هشاشة الخدمات وضعف البنيات التحتية، لم يعد يقبل بأن تتحول ميزانيات التنمية إلى مجال للاغتناء غير المشروع أو لتصفية المصالح الضيقة.

ومهما اختلفت القراءات القانونية والسياسية لهذا الملف، فإن المؤكد أن معركة محاربة الفساد لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا بترسيخ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل الرقابة القبلية والبعدية على الصفقات العمومية، حتى لا تتحول مؤسسات التدبير المحلي إلى فضاءات لاستنزاف المال العام بدل خدمة المواطن والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى