
اتسعت رقعة الاحتجاجات التي يقودها تلاميذ وطلبة في فرنسا، بعدما شهدت مدن عدة، الثلاثاء، مسيرات ووقفات احتجاجية شارك فيها مئات الآلاف، في ثالث محطة بارزة ضمن حركة تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة وبدأت تفرض نفسها على أجندة الحكومة.
وقدرت السلطات الفرنسية عدد المشاركين في احتجاجات الثلاثاء بنحو 266 ألف شخص، بينهم 56 ألفاً في باريس، بينما رفعت التنظيمات التلميذية والطلابية تقديراتها إلى حوالي 450 ألف مشارك على المستوى الوطني.
وشارك في التحركات إلى جانب التلاميذ، طلبة وأساتذة وأولياء أمور ونقابيون، فيما تأثرت الدراسة في عدد كبير من المؤسسات التعليمية، بين إغلاق جزئي أو كلي واعتصامات ووقف للحصص.
وتتركز مطالب المحتجين حول مجموعة من الإشكالات التي تواجه قطاع التعليم، من بينها اكتظاظ الأقسام، وضعية عدد من المؤسسات، ضغط ساعات الدراسة، نقص الأطر التعليمية وعدم تعويض الأساتذة المتغيبين، فضلاً عن المطالب المرتبطة بنظام التوجيه الجامعي.
وتعكس تصريحات عدد من التلاميذ أن الاحتجاجات لا ترتبط بملف واحد، بل جاءت نتيجة تراكم مشاكل يومية يعيشونها داخل المؤسسات التعليمية. ويطالب المحتجون بظروف أفضل للدراسة، ومرافق أكثر ملاءمة، وأقسام أقل اكتظاظاً، وتحسين البنية التحتية للمدارس.
كما انخرط عدد من المدرسين والأسر في الاحتجاجات، معتبرين أن جزءاً من مطالب التلاميذ يتقاطع مع الإشكالات التي يواجهها العاملون في قطاع التعليم، خصوصاً ما يتعلق بظروف العمل ونقص الموارد البشرية وحالة بعض المؤسسات.
وفي المقابل، أثارت بعض مظاهر العنف والتخريب التي رافقت الاحتجاجات مخاوف من خروج الحركة عن طابعها المطلبي، خصوصاً بعد تسجيل مواجهات محدودة بين بعض المحتجين وقوات الأمن في عدد من المدن.
وأعلنت السلطات توقيف 488 شخصاً خلال تحركات الثلاثاء، ليرتفع العدد الإجمالي للتوقيفات منذ انطلاق الاحتجاجات إلى أكثر من 6500 شخص. كما سجلت إصابات في صفوف عناصر الشرطة والدرك ومتظاهرين، فيما استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع في بعض المواقع لتفريق التجمعات.
وتأثرت مئات المؤسسات التعليمية بهذه التحركات، إذ توقفت الدراسة بشكل كلي أو جزئي في عدد كبير من المدارس الثانوية، بينما سجلت مؤسسات التعليم العالي بدورها اضطرابات وعمليات إغلاق واعتصام.
وأمام استمرار الاحتجاجات، تسعى الحكومة إلى فتح قنوات للحوار داخل المؤسسات التعليمية، من خلال تخصيص فترات للنقاش بين التلاميذ والإدارات والمدرسين، في محاولة لاحتواء التوتر والاستماع إلى المطالب المطروحة.
كما أبدت الحكومة استعدادها لإعادة النظر في بعض جوانب نظام التوجيه نحو التعليم العالي، مع طرح إجراءات تهدف إلى جعل المساطر أكثر وضوحاً وبساطة بالنسبة للتلاميذ وأسرهم.
غير أن التنظيمات التلميذية والطلابية لا ترى أن الحوار داخل المؤسسات كافٍ للاستجابة لمطالبها، وتطالب بإجراءات أوسع تشمل الميزانيات، والاكتظاظ، والبنية التحتية، وظروف الدراسة، إضافة إلى مواصلة النقاش حول نظام التوجيه الجامعي.
وزاد ملف الإصابات المسجلة خلال الاحتجاجات من حدة الجدل، خصوصاً بعد تعرض تلاميذ لإصابات خطيرة خلال عمليات تفريق بعض التجمعات. وقد فتحت السلطات تحقيقات للوقوف على ملابسات عدد من هذه الوقائع وتحديد المسؤوليات.
وفي ظل هذه التطورات، تتجاذب المشهد الفرنسي مقاربتان؛ الأولى تركز على ضرورة حماية المؤسسات والممتلكات وضمان الأمن العام، والثانية تشدد على حق التلاميذ والطلبة في التعبير عن مطالبهم والاحتجاج بشكل سلمي.
ومع استمرار الدعوات إلى تنظيم تحركات جديدة، تبدو الحكومة أمام تحدي احتواء موجة الاحتجاجات دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التوتر، في وقت يصر فيه المحتجون على أن مطالبهم تتجاوز الاحتجاجات الظرفية وترتبط بشكل مباشر بواقع التعليم ومستقبلهم الدراسي.



